فخر الدين الرازي
199
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
بقلبه إلا أنه كان في الظاهر لا يظهر لهم خلافا ، فعبر عن ذلك بالضلال العشرون : روى علي عليه السلام عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملون به غير مرتين ، كل ذلك يحول اللّه بيني وبين ما أريد من ذلك ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني اللّه برسالته ، فإني قلت ليلة لغلام من قريش ، كان يرعى معي بأعلى مكة ، لو حفظت لي غنمي حتى أدخل مكة ، فأسمر بها كما يسمر الشبان ، فخرجت أريد ذلك حتى أتيت أول دار من دور مكة ، فسمعت عزفا بالدفوف والمزامير ، فقالوا فلان ابن فلان يزوج بفلانة ، فجلست أنظر إليهم وضرب اللّه على أذني فنمت فما أيقظني إلا مس الشمس ، قال فجئت صاحبي ، فقال ما فعلت ؟ فقلت ما صنعت شيئا ، ثم أخبرته الخبر ، قال : ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك ، فضرب اللّه على أذني فما أيقظني إلا مس الشمس ، ثم ما هممت بعدهما بسوء حتى أكرمني اللّه تعالى برسالته » . أما قوله تعالى : [ سورة الضحى ( 93 ) : آية 8 ] وَوَجَدَكَ عائِلاً فَأَغْنى ( 8 ) ففيه مسائل : المسألة الأولى : العائل هو ذو العيلة ، وذكرنا ذلك عند قوله : أَلَّا تَعُولُوا [ النساء : 3 ] ويدل عليه قوله تعالى : وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً [ التوبة : 28 ] ثم أطلق العائل على الفقير ، وإن لم يكن له عيال ، وهاهنا في تفسير العائل قولان : الأول : وهو المشهور أن المراد هو الفقير ، ويدل عليه ما روى أنه في مصحف عبد اللّه : / ( ووجدك عديما ) وقرئ عيلا كما قرئ سيحات « 1 » ، ثم في كيفية الإغناء وجوه الأول : أن اللّه تعالى أغناه بتربية أبي طالب ، ولما اختلت أحوال أبي طالب أغناه [ اللّه ] بمال خديجة ، ولما اختل ذلك أغناه [ اللّه ] بمال أبي بكر ، ولما اختل ذلك أمره بالهجرة وأغناه بإعانة الأنصار ، ثم أمره بالجهاد ، وأغناه بالغنائم ، وإن كان إنما حصل بعد نزول هذه السورة ، لكن لما كان ذلك معلوم الوقوع كان كالواقع ، روي أنه عليه السلام : « دخل على خديجة وهو مغموم ، فقالت له مالك ، فقال : الزمان زمان قحط فإن أنا بذلت المال ينفذ مالك فأستحي منك ، وإن لم أبذل أخاف اللّه ، فدعت قريشا وفيهم الصديق ، قال الصديق : فأخرجت دنانير وصبتها حتى بلغت مبلغا لم يقع بصري على من كان جالسا قدامي لكثرة المال ، ثم قالت : اشهدوا أن هذا المال ماله إن شاء فرقه ، وإن شاء أمسكه » الثاني : أغناه بأصحابه كانوا يعبدون اللّه سرا حتى قال عمر حين أسلم : أبرز أتعبد اللات جهرا ونعبد اللّه سرا ! فقال عليه السلام : حتى تكثر الأصحاب ، فقال حسبك اللّه وأنا فقال تعالى : حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [ الأنفال : 64 ] فأغناه اللّه بمال أبي بكر ، وبهيبة عمر » الثالث : أغناك بالقناعة فصرت بحال يستوي عندك الحجر والذهب ، لا تجد في قلبك سوى ربك ، فربك غني عن الأشياء لا بها ، وأنت بقناعتك استغنيت عن الأشياء ، وإن الغنى الأعلى الغنى عن الشيء لا به ، ومن ذلك أنه عليه السلام خير بين الغنى والفقر ، فاختار الفقر الرابع : كنت عائلا عن البراهين والحجج ، فأنزل اللّه عليك القرآن ، وعلمك ما لم تكن تعلم فأغناك . القول الثاني في تفسير العائل : أنت كنت كثير العيال وهم الأمة ، فكفاك . وقيل فأغناهم بك لأنهم فقراء
--> ( 1 ) هكذا في الأصل ولعله يعني قرئ : ووجدك عيلا تشديد لياء مع كسرها كما قرئ : سيحات كذلك في قوله تعالى : سائِحاتٍ [ التحريم : 5 ] . واللّه أعلم الصاوي .